قاتل صامت من السماء


اضغط على الصور لتكبيرها




ظاهرة سقوط المذنب الجليدي أو الكتل الجليدية العملاقة التي تتسبب في كثير من الخسائر المادية والنفسية للمتضررين، والتي من الممكن أن تؤدي إلى الوفاة إن صادف الأمر. تسقط هذه الكتل الجليدية القاتلة بأي مكان ودون سابق إنذار، فهي ليست مرتبطة بالطقس، فقد حدث أن سقطت والجو شتوي، وأيضا والجو صاف وجميل.




زكرياء سيتشين وأبناء الله

 
 
اضغط على الصور لتكبيرها





يحكي الكتاب المقدس أن مجموعة من الملائكة، أو أبناء الله كما يسميهم مجازا، والذين كلفهم الله تعالى بحراسة الأرض ومراقبتها قد فُتنوا بجمال بنات البشر، فقرروا التجسد بصورة بشر واتخاذهن زوجات لهم، فحملن لهم ووضعن جنسا هجينا سماه الكتاب المقدس Nephilim. 

تميز هذا الجنس الهجين باختلاف بنيته الجسدية عن باقي البشر، بحيث كان أفراده عمالقة ومفسدين في الأرض. عاقب الله تعالى الملائكة الذين قاموا بهذا العمل بأن طردهم من الملأ الأعلى وسجنهم إلى الأبد. أما العمالقة فقد أغرقهم الله بالطوفان العظيم في عهد سيدنا نوح ﷺ وصارت أرواحهم شياطينا بعد موتهم. يجب أن أنوه بداية أن حديثنا اليوم ليس عن صحة القصة من عدمها، وإن شاء الله ستكون هناك حلقة خاصة بهذا الموضوع حينما ييسر الله تعالى. وسبب ذكرنا لها الآن هو اقتباس سيتشين منها للاستدلال على فرضيته. 

يدعي سيتشين أن كلمة Nephilim تعني "الذين هبطوا من السماء" أو "الذين سقطوا من السماء" أو "الذين نزلوا من السماء في صواريخ نارية". كما أنه يدعي أن كلمة Elohim تعني الآلهة بصيغة الجمع، وأنها دليل من الكتاب المقدس على أنها لا تشير إلى الإله الواحد كما يعتقد أصحاب الديانات السماوية، بل إلى آلهة متعددة والتي هي الأنوناكي، وأن ما يؤكدها أيضا هو نظيرتها Ilanu بالأكادية. 

حسنا، دعنا نأخذ الموضوع خطوة خطوة، وحتى لا نجعله طويلا، فإننا لن نتطرق إلى تفاصيل التفاصيل، لأن النقاش سيكون لغويا نوعا ما، وبالتالي سنحاول الاختصار في مسألة القواعد اللغوية. نستهل حديثنا بكلمة Elohim. وردت كلمة Elohim 2602 مرة في النسخة العبرية من الإنجيل في سياقات مختلفة، منها ما يشير إلى الإله الواحد، ومنها ما يشير إلى الملائكة ومنها ما يشير إلى الملوك الذين حكموا الأرض، إلى غير ذلك من السياقات الأخرى. كما وردت بصيغ أخرى مثل: إل – إله – إلوه. 

تُعتبر كلمة El أقدم كلمة في اللغات السامية استُخدمت لتعني الله أو إله. وتدخل أيضا في تركيب أسماء الملائكة والأنبياء والأشخاص، بحيث تضاف EL إلى نهاية أو بداية الاسم. مثل جبرائيل، جبريل، ميكائيل، إسرافيل، إسرائيل، شموئيل، صموئيل، إليجاه، إلشداي، إل إليون، إلعُلام... الخ. من قواعد اللغة العبرية إضافة الجذر "Im" إلى الكلمات من أجل تكوين صيغة الجمع، ولهذا قال سيتشين إن كلمة إلوهيم تعني آلهة كثيرة وليس إلها واحدا. 

صحيح أن الجذر "im"الملحق بالكلمات في نهايتها يُستخدم للدلالة على صيغة الجمع في اللغة العبرية، لكن ليس دائما. لماذا؟ لأنه يجب التفريق بين الجمع العددي، وجمع التعظيم. جمع التعظيم يعني استخدام صيغة الجمع مع المفرد كنوع من إظهار الاحترام أو التشريف، ومثاله أن تتحدث مع شخص ذو مكانة رفيعة وتقول له سيادتكم عوض سيادتك. أو كما هو الحال مع استخدام الله تعالى لكلمة "نحن" في القرآن الكريم مثل "نحن نقص عليك أحسن القصص"، "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، "نحن نرزقكم وإياهم".. إلى غير ذلك من الأمثلة. الذين يجهلون القواعد اللغوية لأي لغة كانت، سوف يجدون أنفسهم بكل تأكيد أمام ارتباك كبير في فهم المعنى. وهذا بالضبط ما حدث لسيتشين. فلو كان على معرفة بالعبرية كما ادعى، لما وقع في هذا الخطأ. لأن معرفة أي الجمعين هو المقصود عملية يسيرة، تعتمد فقط على صيغة الفعل المرفق، فإن كان الفعل في صيغة الجمع أيضا، كانت الكلمة جمعا عدديا، وإن كان الفعل في صيغة المفرد كانت الكلمة جمع تعظيم أو احترام. 

وفي المثال التالي من سفر التكوين نجد أن الفعل في صيغة المفرد، مما يعني أن الجمع هنا ليس جمعا عدديا، بل جمع تعظيم. " bə•rê•šîṯ bā•rā ’ĕ•lō•hîm; ’êṯ haš•šā•ma•yim wə•’êṯ hā•’ā•reṣ." "In the beginning God created the heavens and the earth" "في البدء خلق الله السماوات والأرض" نجد هنا كلمة إلوهيم في صيغة الجمع مع الفعل في صيغة المفرد برا أو برأ شبيهتها بالعربية الفصحى: برا إلوهيم، خلق الله، God created. لو كان المقصود جمعا عدديا لكان الفعل في صيغة الجمع أيضا، ويجب أن تُقرأ حينها: برئيف إلوهيم، خلقت الآلهة، Gods created. 

كما أن اللغة العربية الفصحى تضم نفس الكلمة، وهي تشير إلى الإله الواحد أيضا، كلمة "اللهم". مثلا: "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ"، "قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ"، "قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ".. وعليه، فإن ادعاء سيتشين بأن Elohim تعني الآلهة الخالقة المتعددة ولا تعني الإله الخالق الواحد أمر باطل، وهذا يدل على أنه لا يعرف قواعد اللغة العبرية، وبالتالي ربطه للكلمة بـ الأنوناكي أمر باطل أيضا. 

أما بخصوص كلمة نيفيليم، فكما أشرنا في البداية، سيتشين يقول إنها تعني الذين سقطوا من السماء، أو الذين هبطوا من السماء، أو الذين نزلوا من السماء في صواريخ نارية. وهو يعتمد عليها لأنها تخدم فكرته حول نزول الأنوناكي من الفضاء في مركبات فضائية. والسؤال المطروح هو: هل فعلا تعني كلمة نيفيليم، الذين هبطوا من السماء؟ 

يجب أن نعود أولا للسياق أين وردت الكلمة، وهذا بالأساس في سفر التكوين. حيث نجدها في القصة التي ذكرناها آنفا بخصوص الملائكة الذين اتخذوا من بنات آدم زوجات لهم قبل أن يطردهم الله تعالى من الملأ الأعلى لمخالفة أمره. نقرأ أن النسوة اللائي أقمن علاقة مع أبناء الله، أي الملائكة، قد ولدن الـ نيفيليم أو الجبابرة. الكلمة جاءت في صيغة الجمع وهي تنطق على وجهين اثنين، نفليم ونفيليم بالياء. وهذا الفرق في الكتابة يرجع إلى كون الكتابة العبرية كانت تُدون من غير حركات، تماما مثل العربية في البداية حيث كانت تكتب من دون تنقيط ومن دون حركات. وحينما أضيفت الحركات لاحقا ظهرت الكلمة بهاذين الوجهين. 

الجذر الأصلي أو الأساسي للكلمة هو ثلاث حروف نون في لاميد. نفل. وهو فعل. هذا الفعل هكذا بدون حركات يمكن أن يشير لعدة معاني من بينها فعل "نَفَلْ" يسقط، وصيغة الاسم المشتق منه تعني الذين أُسقطوا، أي في صيغة المفعول الذي وقع عليه الفعل، وليس في صيغة الفاعل الذي يقوم بالفعل. بعبارة أخرى، ادعاء سيتين "الذين هبطوا من السماء" يعني أنهم هم من قاموا بهذا الفعل، أي هبطوا من تلقاء أنفسهم، في حين أن قول "الذين أُهبطوا من السماء" يعني أنهم هم من وقع عليهم الفعل من فاعل آخر، أي طُردوا وأُنزلوا. ولو كان المقصود الذين سقطوا من تلقاء أنفسهم كما يدعي سيتشين، فإن الاسم العبري ليس نفيليم، بل نيفوليم. هذا بالإضافة إلى أن الإنجيل لم يذكر أبدا أن الذين سقطوا أو أسقطوا هم النيفيليم، بل أبناء الله، أي الملائكة العاصون، أما النيفيليم فهم ذرية هؤلاء الملائكة من بنات البشر. 

هناك أيضا اسم آخر يمكن اشتقاقه من الفعل نفل. وهو في صيغة الفاعل، ويعني "المغيرون"، أي الذين ينزلون أو يغيرون على أعدائهم. وهذا أيضا لا يخدم ادعاء سيتشين، لأن صيغة الجمع منه هي: نوفليم وليس نفيليم. وهكذا، فإن التحليل اللغوي لجذر الكلمة يجعل ربطها بفعل نَفَلْ أي يسقط غير ممكن، ولهذا استقر النحويون العبريون على احتمالين اثنين، كلاهما من اللغة الأرامية. 

ذلك أن الإنجيل العبري جمعه اليهود خلال فترة الأسر البابلي أو النفي البابلي، وحينها كان اليهود يتحدثون الأرامية، ولهذا نجد كلمات أرامية كثيرة في الإنجيل العبري. هذه الكلمة الأرامية نفل تعني حسب الاحتمال الأول للمعنى: الأشرار أو الطغاة أو المفسدون. 

أما الاحتمال الثاني للمعنى فهو: العمالقة. وهو الاحتمال الأقوى الذي جعل النحويين يرتكزون عليه، لأنه يتوافق تماما مع تصريف الكلمة ويخدم السياق بشكل صحيح. فالكلمة المفردة هي نفيلا وتعني بالأرامية عملاق، وجمعها نفلين: عمالقة. ذلك أن تكوين الجمع في الأرامية يتم بإضافة الجذر “in” إلى نهاية الكلمة المفردة، وهكذا، حينما نُقلت الكلمة إلى العبرية أُضيف لها الجذر العبري “im” الذي يفيد صيغة الجمع. ولهذا، اتفقت بالإجماع جميع النصوص اليهودية القديمة على كلمة العمالقة كمعنى لكلمة نيفيليم. بالعربية تترجم أيضا إلى كلمة الطغاة، وبالإنجليزية Giants. ويوصفون أيضا بأنهم جبابرة بالعربية، Mighty men بالإنجليزية، و Gibborim بالعبرية. 

هناك أيضا أدلة أخرى من الإنجيل غير سفر التكوين، كسفر يشوع وسفر التثنية وسفر العدد، حيث نقرأ في هذا الأخير كمثال أن الذين أرسلهم موسى ﷺ لأرض كنعان ليأتوا بأخبار الأقوام التي يسكنوها رأوا هناك قوم بني عناق، الذين هم من سلالة النيفيليم أو الجبابرة، العمالقة. 

كخلاصة لهذا الكلام، ادعاءات سيتشين بخصوص النيفيليم والإلوهيم لا تتوافق مع ما هو مذكور بالإنجيل ولا تتوافق مع قواعد اللغة العبرية. فالإيلوهيم عند سيتشين هي الآلهة الأنوناكي خالقة البشر، والنيفيليم هي أبناء تلك الآلهة التي نزلت إلى الأرض وتزاوجت مع النساء البشريات، بينما الكلمتان في الإنجيل مختلفان تماما. فـ إيلوهيم تشير إلى الإله الواحد خالق الكون والبشر، وتكتب في صيغة جمع التعظيم وليس الجمع العددي. أما أبناء الله فليسوا هم النيفيليم، بل هم الملائكة، والنيفيليم هم ذرية هؤلاء الملائكة العاصين الذين تزوجوا ببنات آدم. 

هكذا نختم هذا الجزء بخصوص ادعاءات وتصورات سيتشين حول الحضارة السومرية، وسيكون لنا عودة إن شاء الله تعالى مستقبلا بوفيقه وتيسيره، مع حلقات جديدة حول قصص الخلق السومرية وملاحمها وعلاقاتها بالديانات السماوية وغيرها من المواضيع المرتبطة. تقبلوا تحياتي وتقديري، ووفقنا الله تعالى جميعا للحق. دمتم في رعايته والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.










زكرياء سيتشين وكوكب نيبيرو في الألواح السومرية

 
 
 
 
 
اضغط على الصور لتكبيرها





السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. في الحلقة الماضية تحدثنا عن النقش السومري الذي اعتمده زكريا سيتشين كدليل على وجود اثني عشر كوكبا بالمجموعة الشمسية وأوضحنا الخطأ الفادح الذي وقع فيه. فالرمز الموجود على النقش ليس رمز الشمس عند السومريين. ومن لم يشاهد الحلقة فليفعل ذلك فضلا ليفهم الفكرة. نتناول اليوم إن شاء الله تعالى موضوع كوكب نيبيرو أو كما يسميه سيتشين الكوكب الثاني عشر. حسنا، بداية كما جرت العادة، نطرح الفرضية قبل أن نناقشها. أضحى كوكب نيبيرو اليوم من أشهر الأمور عند الحديث حول موضوع الأنوناكي أو السومريين أو حتى نهاية العالم. وكل ذلك راجع إلى أفكار زكرياء سيتشين. فهو افترض أن السومريين كانوا يعلمون بوجود كوكب ثاني عشر في المجموعة الشمسية خلف كوكب بلوتو أطلقوا عليه اسم نيبيرو، يدور حول الشمس في مدار طولي وعكسي يُتمه في فترة زمنية تعادل 3600 سنة أرضية. هذا الكوكب كان كوكبا تائها في الفضاء، وحين مروره بالقرب من المجموعة الشمسية عَلِق في مدار جديد بفعل جاذبية الكواكب، فانحرف عن مساره الأصلي وأصبح حبيسا في مجموعتنا الشمسية. وحسب سيتشين، كان هناك كوكب فيما مضى اسمه تيامات، تصادف أن تواجد في مدار نيبيرو، هذا الأخير ارتطم به مخلفا ما يعرف اليوم بحزام الكويكبات Asteroid Belt، أما الجزء المتبقي منه تحول مع مرور السنين إلى كوكب الأرض، وجزء أصغر منه تحول إلى القمر. الكثير من أتباع سيتشين كانوا يتوقعون مرور نيبيرو بجانب الأرض وتدميرها في سنة 2003، وبعدها توقع آخرون حدوث ذلك سنة 2012. والآن في 2018 هناك من يدعي أن نيبيرو قريب من الأرض، وهناك أيضا من يدعي أن هذا الأمر لن يحدث الآن، بل في الفترة بين سنتي 2090 و 2370 ميلادية. الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها في هذه الحلقة هي كالآتي: هل سيتشين على صواب في موضوع نيبيرو؟ هل عرف السومريون بوجود هذا الكوكب؟ وهل ذكرت الألواح الطينية السومرية قصة هذا الكوكب؟



زكريا سيتشين والمجموعة الشمسية في الألواح السومرية

 
 
 
 
 
 
اضغط على الصور لتكبيرها




السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. مرحبا بكم في هذه الحلقة الجديدة حول موضوع زكرياء سيتشين و الأنوناكي والحضارة السومرية. موضوع الأنوناكي موضوع كبير ومتشعب، وحتى نغطيه كاملا يلزمنا تقسيمه وتبسيطه على شكل حلقات. اليوم سنقتصر الحديث فقط عن التصور الذي طرحه زكرياء سيتشين بخصوص المجموعة الشمسية. وفي الحلقات القادمة إن شاء الله سنتناول مواضيع أخرى مثل كوكب نيبيرو ومخلوقات الأنوناكي وقصة الخلق وغيرها. طبعا الفرضية أضحت الآن معروفة للأغلبية، ولكن طرحنا لها ليس من باب شرحها، بل من باب تقييمها والنظر إلى مدى صحتها.



خلاصة: هل خرج يأجوج ومأجوج؟


اضغط على الصور لتكبيرها


الحديث عن خروج يأجوج ومأجوج من عدمه لا يزال موضوعا يثير نقاشا طويلا وربما عقيما أيضا. فدعنا نمر على الآراء الثلاثة الموجودة على الساحة بعجالة حتى نختم الموضوع. 

الرأي الاول هو الرأي التقليدي،وهو أنهم لم يخرجوا بعد، لأن خروجهم من علامات الساعة الكبرى التي تحدث في نهاية الزمان، ووقت خروجهم لا يعلمه إلا الله تعالى. وهو الرأي نفسه القائل إن مكان السد غير معروف.

الرأي الثاني يقول إن جزء منهم فقط قد خرج، وهو التتار والمغول الذين اجتاحوا البلاد بما فيها بلاد المسلمين والعرب في القرن الثالث عشر ميلادي. والجزء الأكبر منهم ما زال خلف السد لحين قرب قيام الساعة. 

أما الرأي الأخير فهو يقول بخروجهم وانتهاء القصة. وعلى هذا الرأي نوعان من الناس، النوع الذي يقول إنهم المغول والتتر، والنوع الثاني يقول إن سبب غفلة المسلمين عن خروجهم هو التعامل الحرفي مع النصوص الدينية دون تعمق في فهمها واستنباط معانيها، ومن جملتهم الشيخ عمران حسين الذي يستشهد بنفس النصوص الدينية التي يستشهد بها أصحاب الرأي الأول ولكن بفهم وتفسير جديدين. 

أفضل الاحتفاظ برأيي الشخصي حيال هذه النقطة، وأدعوكم لتفعيل آلية البحث عندكم واستخدام المعلومات الواردة في هذه الحلقة للبناء عليها وإجراء بحوثكم الخاصة، وفي النهاية الخروج باستنتاجاتكم المناسبة. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

خلاصة: أين ردم يأجوج ومأجوج؟


اضغط على الصور لتكبيرها


من المؤكد أن ردم ذو القرنين هو بمكان ما في سلسلة جبال القوقاز العظيمة. والشواهد على ذلك كثيرة، ونظرا لأن جبال القوقاز بها ممران اثنان فقط يصلان الشمال مع الجنوب في المنطقة، فنحن أمام خيارين اثنين.

هناك من ذهب بالقول إن الردم هو نفسه بوابات قزوين The Caspian Gates أو معبر دربند The Pass of Derbent غرب بحر قزوين. وهي يشكل حصنا منيعا طوله أربعون كيلومترا يصد الممر الموجود هناك بين الجبال.

حسب المحققين التاريخيين فإن هذا السد المنيع لا يعود إلى الاسكندر الأكبر، بل على الأرجح إلى كسرى الأول الإمبراطور الساساني، فهو الذي بناه في القرن السادس ميلادي بعد وفاة الاسكندر بوقت طويل، ولكنه نُسب إلى الاسكندر في القرون اللاحقة.

الموقع الثاني هو معبر داريال غورج. وهذا الموقع هو الخيار الأرجح بنسبة كبيرة، وهو يقع بين الحدود الروسية الجورجية. حسب المحققين التاريخيين فإن ترميم السد في هذا المكان يعود لفترة لا تقل عن 150 سنة قبل الميلاد. مما يشير إلى أن بناءه كان في فترة سابقة. الردم نفسه غير موجود هناك اليوم، بل توجد فقط أنقاضه. 

هناك من يقول إن مكان الردم غير معروف، ويتجاهل كل الشواهد التاريخية والدينية المتوفرة، وبالتالي فهو لا يعترف بمعبر داريال أو دربند أو غيرهما. وليس لدينا ما نرد به على هذا الرأي. 

على ما يبدو، فإن بناء السدود في تلك المنطقة لصد القبائل الهمجية القادمة من الشمال كان فكرة سائدة في تلك المجتمعات.، ولكن ربما كانت طريقة البناء المستخدمة لا تلبي الغرض بالشكل المطلوب، ربما لسهولة تحطيمها أو تسلقها، ولهذا نجد أن ذا القرنين فضل بناء الردم بالطريقة المعروفة باستخدام الحديد والقطر ليكون حلا أكثر نجاعة. وهذا ما يؤكده القرآن الكريم بتيين استحالة نقبه أو حفره أو حتى تسلقه.

خلاصة: من هو ذو القرنين؟


اضغط على الصورة لتكبيرها


 من هو ذو القرنين هو السؤال الأبدي الذي سيظل يُطرح دائما، لعدم وجود أدلة قاطعة حول هويته. والخيارات المتاحة أمامنا تجعلنا نكون حياديين حولها عوض الانحياز لأي منها. 

الرأي الأول يقول إنه الاسكندر المقدوني الأكبر. فما ورد في سيرة الاسكندر في مختلف مصادرها يفيد بأنه بنى بوابة حديدية ليغلق ممرا بين جبلين في سلسلة القوقاز كانت تتخذه بعض القبائل العدائية منفذا للإغارة على القبائل المجاورة. لكن الاعتراضات القائمة هي أن الاسكندر في نفس القصص لم يكن موحدا لله عز وجل، بل وثنيا يعبد عدة آلهة، بالإضافة إلى كونه شخصا غير تقي وغير قويم في سلوكاته. وهذا ما يتعارض مع وصف القرآن لذي القرنين بتوحيد الله تعالى والصلاح. 

المشكلة هنا هي أن سيرة الاسكندر الأكبر خليط بين الحقيقة والأسطورة، فيستحيل التيقن من كافة المعلومات حوله، لأنه كما ذكرنا سابقا، معظم المصادر المعتمدة لم تُكتب في زمن الاسكندر، وإنما بعد مرور قرون عدة، والمخطوطات الأقدم التي تعود لفترته لا يوجد منها سوى أجزاء بسيطة. 

فربما يكون الاسكندر الأكبر هو ذو القرنين وربما لا، بل وحتى من الممكن أن تكون قصته مع يأجوج ومأجوج منسوبة له خطأ أو لغاية ما.

الرأي الثاني يقول إنه الملك قورش الكبير، ملك بلاد فارس الذي كانت له فتوحات عظيمة شرقا وغربا. وهو شخصية توراتية أيضا تحت مسمى لوقرانائيم. فقد ذكرته التوراة في أكثر من سفر مثل عزرا ودانيال وإشعياء ووصفته براعي الرب ومسيح الرب. وهذا الرأي كما ذكرنا سابقا استقر عليه الفقيه مولانا أبو الكلام أزاد.

الاعتراض على قورش قائم بسبب الأسطوانة الشهيرة المنسوبة إليه والمكتوبة بالخط المسماري، هي اليوم بحوزة المتحف البريطاني بلندن. في هذه الأسطوانة يمجد قورش آلهة وثنية مثل بعل ومردوك ويمدحها لمباركته فتح بابل وانتصاره على ملكها نبو نيد. 

الرأي الثالث يطرح اسم الصعب بن ذي مرائد أحد ملوك حمير التببابعة باليمن كهوية لذي القرنين. الأدلة التي يستند عليها في طرحه هذا هو أولا كون الاسم يحتوي على لفظة "ذي"، وهي بجانب لفظة "ذو" لم يستخدمهما أحد غير اليمنيين في تسمية الأشخاص والأماكن. وثانيا، كون أهل اليمن اشتهرو قديما باستخدام النحاس والرصاص في بناء السدود مثل سد مأرب. وهذا الرأي قال به الصحابي الجليل ابن عباس وكذلك تقي الدين المقريزي الشيخ الكبير. 

قال أيضا بعض المفسرين والفقهاء إن ذي القرنين هو ملك من حمير، لكنهم ذكروا أسماء مختلفة غير الصعب بن ذي مرائد، مثل الصعب بن مالك. 

هناك من ربط أيضا ذا القرنين بالملك الأكادي نيرام سين، الذي أسس مملكة عظيمة واشتهر بحروبه الضارية خاصة تلك التي خاضها في جبال زاكروس ضد القبائل البربرية. ويظهر في نحت صخري وهو واقف على جثث أعدائه الذين قضى عليهم يرتدي خوذة عليها قرنان. 

وهناك من رأى أن أخناتون الملك الفرعوني هو ذو القرنين، مثل الباحث السعودي حمدي بن حمزة أبو زيد الذي ألف كتابا شيقا ومفصلا حول الموضوع عنونه: فك أسرار ذي القرنين ويأجوج ومأجوج. 

هناك أيضا تفسيرات أخرى مختلفة لسنا بحاجة للتطرق إليها لأنها تظل ضعيفة وغريبة. 

وهكذا، لا يمكننا القطع بهوية ذي القرنين، فهي ستظل جدلية على الدوام. لكن أقوى الاحتمالات هي الثلاث الأوائل التي ذكرناها قبل قليل: الاسكندر الأكبر، قورش، و الصعب بن ذي مرائد. والله تعالى أعلم.

خلاصة: القرآن الكريم وأسطورة الاسكندر الأكبر


اضغط على الصورة لتكبيرها


هناك من يدعي أن القرآن الكريم نقل أو سرق قصة يأجوج ومأجوج من أسطورة أو ملحمة الاسكندر الأكبر ولفقها على أساس أنها وحي رباني. وبالتالي هي دليل على بطلان صحة القرآن الكريم لأنه يكرس الأساطير الغابرة. 

حسنا، بداية، كون أسطورة أو ملحمة الإسكندر ذكرت قصة يأجوج ومأجوج فهل هذا يعني أنها أسطورة؟ 

يعني، بعبارة أخرى، هل الوقائع والأحداث المذكورة في أسطورة الاسكندر كلها أساطير؟

الجواب بطبيعة الحال لا، وهذا كلام المتخصصين في تنقيح تلك النصوص. 

النسخ الحالية لأسطورة أو ملحمة الاسكندر The Romance of Alexander لا تعتمد في مصادرها على النصوص الأصلية إلا في جزء بسيط منها، وذلك لأن المخطوطات الأصلية لم يسلم منها إلا أجزاء معدودة. 

وإنما تعتمد بالأساس على المصادر التي تعتبر ثانوية لأنها ألفت بعد موت الاسكندر بقرون، وحتى بعض مؤلفيها مجهولوا الهوية، ونسبت لبعض مؤلفي المخطوطات الأصلية اعتباطا فقط، ولهذا نجد مثلا كاليستيناس المزيف Pseudo Callisthenes. فهناك جزء أصلي كتبه كاليستيناس الحقيقي، لكن هناك أجزاء لاحقة نسبت إليه لم يكتبها هو، لأنها ألفت بعد موته، ولهذا يسمى بالمزيف. 

ملحمة الاسكندر تحتوي على وقائع صحيحة، وأيضا وقائع أسطورية، سواء حدثت أو لم تحدث، وسواء نسبت له زورا أو حقيقة فليس هناك من وسيلة لمعرفة ذلك. وبالتالي، فإن قصصا مثل لقاء الاسكندر مع أقوام بوجوه على صدورهم أو مخلوقات مجنحة وغريبة من السهل القول بأنها خرافية، أما حروب الاسكندر وفتوحاته وصداماته مع الامبراطوريات والممالك المجاورة فلا ضير من التسليم بصحتها في ظل وجود شواهد أخرى على ذلك. 

وحينما ذكر القرآن الكريم قصة يأجوج ومأجوج، فهو يحكي لنا قصة وقعت في الماضي، وأسطورة الاسكندر ليس بالضرورة المصدر الأصلي لها، بل هي أيضا نقلتها عن أحداث ماضية. 

فالشبهة إن كانت حول أسطورية القصة، فليس هناك ما يؤكد أنها أسطورة، أما إن كانت الشبهة حول نقل القرآن للقصة من ملحمة الإسكندر فليس هناك دليل على هذا النقل سوى تشابه الأحداث، والقول بأن الملحمة أقدم من القرآن هو الدليل فهذا كلام غير علمي وغير أكاديمي. فكونها سبقت في ذكر القصة لا يعني أنها مصدرها الوحيد.

على العموم، مثيروا الشبهات لا يبحثون أصلا عن إجابات، وإنما يثيرونها فقط ويرفضون أي رد عليها، وبالتالي، هذا الرد ليس موجها إليهم، وإنما فقط أردت توضيح الأمر.

خلاصة: من هم يأجوج ومأجوج؟


اضغط على الصورة لتكبيرها


يؤمن بعض الناس أن يأجوج ومأجوج ليسوا بشرا طبيعيين، أو ليسوا بشرا بالأساس، ولهذا يرفضون كل الدلائل أو يتغاضون عنها. إن القصد هنا ليس السخرية من آرائهم أو التهكم عليها، وإنما توضيح بُعدها عن الصواب.

الآراء التي تقول بأنهم مخلوقات لها أربع أذرع وأربع أرجل، أو لها قامات مختلفة الطول والقصر، أو لها آذان كبيرة تفرشها وتتغطى بها، هي آراء أقرب إلى أن تكون أسطورية منها إلى الواقع. فهي لا تستند إلى أدلة ثابتة وقوية، وإنما على نصوص هي نتاج تراكمات سنين طوال من الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة، هذا بالإضافة إلى الأساطير القديمة من حقب تاريخية مختلفة والتي كانت تنتقل شفاهية عبر العصور. كلها تعطي تصورات عن يأجوج ومأجوج بعيدة عن المنطق والسياق الديني والتاريخي. 

وضمن هذه الخانة تندرج قصة خلق يأجوج ومأجوج من التراب الذي امتزج بنطفة سيدنا آدم ﷺ بعد أن احتلم إحدى المرات. لن ندخل هنا في قضية إمكانية احتلام الأنبياء والرسل من عدمها، بل الموضوع الأساسي هو كيف حدث هذا الخلق ليأجوج ومأجوج من امتزاج النطف بالتراب؟ كيف عاشت تلك النطف خارج الجسم البشري في الهواء الطلق؟ وكيف حدث هذا الحمل للتربة؟ هل أنتجت التربة بويضة فخصّبتها النطف؟ ولو حدث هذا الحمل، فكيف تكون الجنين أو الجنينان بفرض أنهما توأمان، يأجوج ومأجوج؟ وكيف وعلى ماذا كان يعيشان في المشيمة؟ وكم استمر هذا الحمل؟ وكيف حدثت الولاة؟ ومن قطع الحبل السري؟ يمكن أن نسترسل في طرح الأسئلة هكذا بدون توقف، ولكن دون فائدة ترجى. فالموضوع من الواضح والجلي أنه خرافة من خرافات وأساطير الإسرائيليات. 

وبخصوص الرأي القائل بأنهم سلالة النياندرتال، فالأمر أيضا ضعب جدا أن يكونا صحيحا. فسلالة النياندرتال انقرضت منذ أكثر من 20 ألف سنة، بينما حدثت قصة ذو القرنين في مدة إن بالغنا فيها بشكل كبير لن تتجاوز ألف سنة قبل الميلاد، أي قبل 3000 سنة من الآن. وحتى إن سلمنا جدلا أن بعض الأفراد من هذه السلالة نجت من الانقراض في أماكن معزولة غير معروفة، فهذا يجعلهم أقليات، عكس أعداد يأجوج ومأجوج الهائلة. ولهذا، فإن كون إنسان النياندرتال هو يأجوج ومأجوج رأي ضعيف وليست هناك من أدلة قوية تدعمه.

أما الرأي الأخير الذي أود أن نمر عليه، هو الرأي القائل بأنهم مخلوقات الرماديون Grays الذين نقول عنهم خطأ مخلوقات فضائية. وهم يعيشون في جوف الأرض، لأن أرضنا مجوفة من الداخل وبها مخلوقات وحضارات متطورة. والردم الذي بناه ذو القرنين عليهم موجود في فتحة القطب الشمالي، المكان الذي يخرجون منه. ماذا سأقول؟ الموضوع في أساسه مبني على فرضيات واستنتاجات لا دينية، ولا علمية، ولا تاريخية، ولا جيولوجية، ولا غيرها.. كل الكلام الرائج حول الأرض المجوفة لا يستند على أي أدلة، ولدي سلسلة بهذا الخصوص لم يتسنى لي الانتهاء منها بعد، ترد على كل ما يقال بهذا الصدد. لذلك أتركها لوقتها إن شاء الله، وأكتفي بالقول إن هذا الرأي حول يأجوج ومأجوج باطل. 

إذن، الرأي السليم بالدلائل التاريخية والدينية هو أن أجوج ومأجوج بشر مثلنا مثلهم. هم الأقوام التي استوطنت شمال أوربا وآسيا، ولم تكن تحدها الحدود الفاصلة بين الدول التي نعرفها اليوم، فرقعة العالم كانت مختلفا آنذاك والمجتمعات كانت أصغر وتطغى عليها صيغة القبلية. تلك الأقوام كانت لديها نزعة عدائية، وكانت تغير على جيرانها وتنهب خيراتهم وتدمر أراضيهم. ولذلك تم بناء السد أو الردم عليهم لصدهم.

ملخص: يأجوج ومأجوج في المصادر الإسلامية

اضغط على الصورة لتكبيرها


كما مررنا على مختلف المصادر الإسلامية التي تناولت يأجوج ومأجوج، نعرض الخلاصة الجامعة لها.

من هم: يأجوج ومأجوج يمثلون الأمم التي تفرعت عبر العصور من سلالة يافث ابن نوح عليه الصلاة والسلام. وهم الأقوام الذين تمركزوا شمال القارة الأسيوية والجزء الشمالي الغربي للقارة الأوربية، وهي الأراضي التي تقع خلف سلسلة جبال القوقاز. تميزت تلك الأمم بعدوانيتها وإغاراتها المتواصلة على الشعوب المجاورة ناحية الجنوب، وكذلك تميزت بتسخيرها للخيول في حروبها أكثر من أي أمة أخرى.

أوصافهم: حسب الأوصاف المذكورة في الأحاديث النبوية الشريفة فهم عراض وحُمر الوجوه، صغار العيون، ذُلف الأنوف، صهب الشعور، وجوههم مثل المَجَان المُطَرّقة، المُدورة كالتروس، يعني أنها تبدو غليظة ومدورة. يضعون الملابس المصنوعة من فراء وجلود الحيوانات ويصنعون منه نعالهم كذلك.

بالنسبة لموعد خروجهم فهناك آراء ثلاثة، الرأي الأول الذي يقف عند المعنى الحرفي للنصوص، وهو يفيد بأنهم لم يخرجوا بعد وسيخرجون مستقبلا، أما مكانهم فلا يعلهم إلا الله تعالى ولن يتعرف عليه أحد مهما بلغ التطور والتقدم العلمي. 

الرأي الثاني يقول إنه قد خرج منهم سابقا جزء واحد، وهم المغول والتتر الذين اجتاحوا آسيا واغتصبوا الكثير من البلاد الإسلامية، والجزء الثاني منهم سيخرج مستقبلا. 

أما الرأي الثالث فيؤمن أن يأجوج ومأجوج قد خرجوا وانتهت هذه القصة، ويؤكدون على أن النصوص لا يمكن أن تؤخذ حرفيا. 

وبخصوص مكان السد، قيل إنه موجود في مكان ما بين جبلين اثنين في سلسلة جبال القوقاز العظيمة لا يعلمه أحد، وقيل أيضا إنه ما يصطلح عليه اليوم بمعبر داريال قورش أو كورش.

يأجوج ومأجوج عند الشيخ عمران حسين

اضغط على الصورة لتكبيرها


بالنسبة للشيخ عمران حسين الأستاذ والمفكر والفيلسوف المسلم من ترينيداد وتوباغو، فإن يأجوج ومأجوج يمثلان القوتان العظميتان المتحكمتان اليوم في العالم، والمتجليتان في أمريكا وروسيا بالأساس وعلاقتهما باليهود. 

يضع الشيخ ضمن أدلته الأحاديث النبوية الشريفة التي وصفت يأجوج ومأجوج بأنهم صغار العيون وصُهب الشّْعاف، وهو ما ينطبق على من ينتمون إلى الجنس القوقازي.

اعتمد الشيخ عمران على دراساته المعمقة للأوضاع الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العالم، واستخدامه لمنهجية علم آخر الزمان Eschatology من خلال تحليل ودراسة القرآن الكريم والأحاديث النبوية للوصول إلى هذه النتيجة.

يؤمن الشيخ عمران حسين أن القرية المقصودة في قوله تعالى "وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ * حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ"، سورة الأنبياء الآيتان 95 ،96. هي القدس. 

فيقول إنّ من أنار الله تعالى بصيرتهم بـ "النور" القادم منه تعالى سوف يتمكنون من إدراك كلا الأمرين: موضوع القرية، والنظام العالمي ليأجوج ومأجوج، فذلك النور يمنحهم القدرة على إدراك الحقيقة الجوهرية الداخلية للأشياء. 

فبعد أن دمر الله تعالى تلك القرية وطرد اليهود منها، وحرم عليهم وقتها العودة إليها والمطالبة باستردادها بصفتها ملكاً لهم، فها هم قد عادوا اليوم، وطالبوا بها على أساس أنها ملك لهم! ولكنهم فعلوا ذلك أثناء ركوبهم لظهور أشخاص منكرين لوجود الله تعالى في داخلهم، ويملكون من القوة ما هو كافٍ لفرض سيطرتهم الكاملة على العالم، وهم يستخدمون تلك القوة والسلطة بلا رحمة في ظلم البشرية ولشن حرب على الإسلام عامة والعرب على وجه الخصوص.

يأجوج ومأجوج عند مولانا أبو الكلام أزاد

اضغط على الصورة لتكبيرها


تحدث العالم والمفسر الكبير المعروف بمولانا أبو الكلام أزاد في موضوع يأجوج ومأجوج انطلاقا من البحث عن هوية ذي القرنين. 

اعتبر أبو الكلام أن اجتهادات المفسرين قديما وحديثا في تحديد هوية ذي القرنين اختلفت وتضاربت لأنها افتراضات خاطئة لا تدعمها أدلة، ولم تتفق على شيء واحد سوى كونه عبدا صالحا.

انطلق أبو الكلام من سبب نزول الآية وأمسك بخيط اليهود الذي وجهوا السؤال إلى النبي ص. واقترح أن يكون في كتبهم المقدسة شيء له علاقة بالموضوع يدفعهم للسؤال.

فقرأ وبحث في أسفار العهد القديم فوجد فيها ما ذكر حول شخصية ذي القرنين من رؤى لأنبياء بني إسرائيل، كما أنه وجد فيها ما يشير إلى أصل التسمية: "ذي القرنين" أو " لو قرانائيم". وهو الملك "كورش" أو "خورس" كما ذكرت التوراة وتكتب أيضا "غورش" أو "قورش"، وأيضا يكنى بـ سايرس.

أبو الكلام وجدا ذكرا لهذه الشخصية في أسفار مثل: عزرا ودانيال وإشعياء. فقد كان شخصية مهمة في تاريخهم لأنه أنقذ أسرى اليهود من بابل وجلب لهم أموالهم المنهوبة من طرف ملوكها.

لم يكتف أبو الكلام بما وجده في التوراة رغم أنه كاف كدليل، لكنه أراد دليلا إضافيا خارج التوراة. ومن خلال البحث الميداني وجد ما يدعم وجهة نظره من آثار باقية من حضارة كورش الفارسية. 

من ضمن الآثار تمثال كورش الموجود بإيران. وعلى جانبيه جناحان، كجناحي العقاب أو النسر، وعلى رأسه قرنان كقرني الكبش. وهكذا استنتج أبو الكلام أن التصور الذي خلقه أو أوجده اليهود للملك المنقذ لهم "كورش" كان قد شاع وعرف حتى لدي كورش نفسه على أنه الملك ذو القرنين. أي ذو التاج المثبت على ما يشبه القرنين كدلالة رمزية.

ثم من تاريخ كورش تأكد لدى أبي الكلام أن يأجوج ومأجوج هم المغول والتتر الذين أغاروا على القبائل جنوب سلسلة جبال القوقاز حيث بنى ذو القرنين السد.

يأجوج ومأجوج عند الطاهر ابن عاشور

اضغط على الصورة لتكبيرها


بالنسبة للعالم الكبير والفقيه المسلم محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله فإن يأجوج ومأجوج هم المغول والتتر الذين اجتاحوا دولا ومناطق شاسعة في آسيا واغتصبوا أيضا الكثير من أراضي المسلمين وعاثوا فيها الفساد.

الطاهر ابن عاشور رأى بأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم "ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من سد يأجوج مثل هذه" أكبر دليل على صحة رأيه، فقد اعتبر إحداث فتحة صغيرة في زمن الرسول ص والصحابة في السد مجرد مرحلة أولى، ولا غرابة أن تكون الفتحة قد اتسعت بعد مرور ستة قرون بما يسمح لمرور يأجوج ومأجوج.

ويضيف ابن عاشور أن تحذير النبي ص للعرب بقوله "ويل للعرب" إشارة أكيدة إلى يأجوج ومأجوج الذين تضرر منهم العرب على وجه الخصوص.

يأجوج ومأجوج في رحلة سلام الترجمان

اضغط على الصورة لتكبيرها



خلال القرن الثالث هجري، قرر الخليفة الواثق بالله إرسال سلام الترجمان إلى جبال القوقاز لتقصي حقيقة انهيار ردم ذي القرنين الذي بناه على يأجوج ومأجوج، وذلك بسبب أنه رأى في منامه انهيار الردم وخروج يأجوج ومأجوج.

وردت القصة في كثير من المصادر من أهمها 'نزهة المشتاق في اختراق الآفاق' للشريف الإدريسي، و 'المسالك والممالك' لأبو عبيد البكري. كما أنها تعتبر من المراجع المهمة في الموضوع عند المستشرقين، حيث أُلّفت فيها كتب ومقالات.

تحكي القصة كيف أعدّ الخليفة قافلة لسلام جمعت كل مستلزمات الرحلة من رجال ومال وملبس ومؤونة قبل أن يأمر بانطلاقها.

ثم يصف سلام الأقوام التي التقى بها في طريقه نحو السد وكذلك التضاريس التي مر عبرها حتى حط رحاله بجانب السد. 

حينها تطرق سلام بالتفصيل إلى وصف أبعاد وقياسات السد والمميزات المعمارية التي بُني وفقها.

يأجوج ومأجوج عند الجغرافيين العرب والمسلمين

اضغط على الصور لتكبيرها


هناك العديد من الخرائط القديمة لمختلف علماء الجغرافيا العرب والمسلمين التي أوضحت مكان يأجوج ومأجوج. نتطرق هنا إلى بعضها.

الخريطة الأولى هي خريطة ابن حوقل الذي عاش في الفترة بين القرنين الـ 4 والـ 5 هجريين. يعد من كبار المؤرخين والجغرافيين العرب. هناك خريطتين لابن حوقل يضع فيهما مكان يأجوج ومأجوج جهة الشمال خلف أرض البلغار والروس.

الخريطة الثانية هي خريطة الشريف الإدريسي الذي عاش في الفترة بين القرنين الـ 5 والـ 6 هجريين. يعتبر من عظماء الجغرافيين وأحد مؤسسي علم الجغرافيا. وضع الشريف الإدريسي يأجوج ومأجوج جهة الشمال، خلف أرض البلغار أو ما يعرف اليوم بسلسلة جبال القوقاز.

الخريطة الثالثة هي خريطة محمود الكاشغري، وهو عالم ومؤرخ تركي كبير عاش في الفترة بين القرنين الـ 5 والـ 6 هجريين. في خريطته وضع يأجوج ومأجوج جهة الشمال خلف الأراضي الروسية.

الخريطة الرابعة هي خريط ابن سعيد المغربي، عاش في القرن 7 هجري. وهو مؤرخ وعالم مشهور. وضع في خريطته للعالم يأجوج ومأجوج جهة الشمال خلف سلسلة جبال القوقاز.

الخريطة الخامسة هي خريطة ابن الوردي، عاش في الفترة القرنين الـ 8 والـ 9 هجريين. من العلماء الجغرافيين البارزين في التاريخ الإسلامي. في خريطته هذه يضع يأجوج ومأجوج شمالا خلف بلاد البلغار والروس.