زكريا سيتشن، الأنوناكي والحضارة السومرية (الذين هبطوا من السماء)

اضغط على الصورة لتكبيرها



التعريف بسيتشين

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. مرحبا بكم في هذه الحلقة الجديدة حول موضوع زكرياء سيتشين و الأنوناكي والحضارة السومرية. موضوع الأنوناكي موضوع كبير ومتشعب، وحتى نغطيه كاملا يلزمنا تقسيمه وتبسيطه على شكل حلقات. اليوم سنقتصر الحديث فقط عن التصور الذي طرحه زكرياء سيتشين بخصوص المجموعة الشمسية. وفي الحلقات القادمة إن شاء الله سنتناول مواضيع أخرى مثل كوكب نيبيرو ومخلوقات الأنوناكي وقصة الخلق وغيرها. طبعا الفرضية أضحت الآن معروفة للأغلبية، ولكن طرحنا لها ليس من باب شرحها، بل من باب تقييمها والنظر إلى مدى صحتها.


اضغط على الصورة لتكبيرها 

بداية، ننظر بعجالة إلى ورقة تعريفية لزكريا سيتشين ومقدمة مختصرة حول فرضيته. هو كاتب ومؤلف أمريكي الجنسية، ولد في مدينة 'باكو' بأذربيجان سنة 1920، درس الاقتصاد بجامعة لندن، قم هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1952 حيث اشتغل مديرا تنفيذيا لإحدى شركات الشحن، وهناك بدأ بتعليم نفسه الكتابة المسمارية. توفي سيتشين سنة 2010 في نيويورك بعمر الـ 90. يعتبر زكرياء سيتشين أحد الآباء الروحيين لفرضية الفضائيين القدامى إلى جانب إيريك فوندانيكين، وقد كرس الترويج لهذه الفكرة في جميع كتبه. تناول سيتشين أيضا قصة أصل الخليقة، أو خلق الإنسان بالتحديد، حيث آمن من خلال دراساته وتحليلاته الشخصية لإرث الحضارة السومرية بفكرة أننا نحن البشر نتاج عملية تهجين مختبرية مزجت بين الحمض النووي DNA لإنسان هومو إيريكتوس والحمض النووي لمخلوقات الأنوناكي. 

حسب رؤية سيتشين فإن هذه المخلوقات تعيش على كوكب إسمه نيبيرو يوجد بعد كوكب بلوتو، له مدار طولي حول الشمس يتمه في فترة تصل إلى 3600 سنة أرضية. وحينما مر كوكبهم هذا بجانب الأرض فيما مضى، نزلت هذه المخلوقات وبدأت تنقب عن الذهب كونه كان عنصرا ضروريا لترميم غلافهم الجوي المتهالك، وبعدما اكتشفوا وجوده بكميات كبيرة، أنشؤوا قواعد ومناجم لاستخراجه. حينما شعروا بأن الأمر مضن ومتعب فكروا في حل بديل. هذا الحل كان مزج جيناتهم مع جينات إنسان هومو إيريكتوس في مختبراتهم العلمية، فخلقوا سلالة جديدة أطلقوا عليها إسم آدمو. وجعلوهم عبيدا ونصبوا أنفسهم آلهة لهم. فاستخدموهم في عملية استخراج الذهب. بيعت الملايين من النسخ من كتب سيتشين حول العالم وترجمت إلى أكثر من 25 لغة. 

رفض جميع العلماء والأكاديميين المهتمين بدراسة الحضارات القديمة والآثار وغيرها أفكار سيتشين، ووصفوها بأنها لا تستند على أدلة علمية، بل مجرد أفهام وترجمات شخصية. أيضا، يرفض الكثير من الناس اليوم أفكار سيتشين هذه كونه ماسوني يروج فقط للأجندة الماسونية. طبعا نحن لن نعتبر انتماءه الماسوني هو الدليل على بُطلان فرضيته، ولكننا سننظر إلى أفكاره وسنناقشها علميا وأكاديميا إن شاء الله. اللغة السومرية دعنا نتحدث بداية عن اللغة السومرية بشكل مقتضب. 


اضغط على الصورة لتكبيرها

اللغة السومرية هي أقدم لغة مكتوبة سجلها التاريخ، وقد ازدهرت بين الألفيتين الرابعة أو الثالثة قبل الميلاد على أقل تقدير. خلال الألفية الثانية قبل الميلاد، حصل تطور وتناقح مزدوج بين اللغتين السومرية والأكادية بحيث أثرت كل واحدة منهما في الأخرى، ثم بعد مرور الزمن أصبحت الأكادية هي لغة السومريين، ولكن فقط كلغة منطوقة. بينما كلغة مكتوبة فقد احتفظ السومريون بلغتهم الأصلية واعتبروها لغة مقدسة وطقسية وأدبية وعلمية ظلت كما هي حتى نهاية الحقبة الأكادية، أي بموازاة نشأة المسيحية. 

ظلت اللغة السومرية منسية حتى القرن التاسع عشر حينما تمكن علماء الآشوريات من فك رموز الكتابة المسمارية بعد اكتشاف نقش بيستون، وهو نقش مسماري ثلاثي اللغة مكتوب بالفارسية القديمة والعيلامية والأكادية. (العيلامية هي أيضا لغة فارسية قديمة تعود للحقبة التي غزا فيها الاسكندر الأكبر بلاد فارس). فبعد فك شفرة الكتابة المسمارية، تم التعرف على لغة غير معروفة في النصوص البابلية، أطلق عليها اسم اللغة السومرية. اسمها عند السومريين كان " إمه گِر" أي اللغة الأصلية، بينما كان اسم البلاد " كِنگير". 

المجموعة الشمسية في الألواح السومرية 


اضغط على الصورة لتكبيرها

حسنا، دعنا الآن نتطرق إلى لب الموضوع ونستهل تحليلنا لفرضية سيتشين. هذا الختم أو اللوحة الطينية التي ننظر إليها الآن هي أشهر لوحة سومرية اعتمدها زكرياء سيتشين كدليل على وجود اثني عشر كوكبا بالمجموعة الشمسية، طبعا باحتساب الشمس والقمر، ومن ضمنها كوكب نيبيرو. المشكلة الأكبر في تفسير سيتشين لهذه اللوحة هي كونه يناقض محتوى الألواح السومرية نفسها. وهذا سنوضحه بعد قليل إن شاء الله تعالى.


اضغط على الصورة لتكبيرها


في هذه اللوحة الطينية نجد أربعة أسطر أو أربع كلمات، إحداها مكررة، وهي المشار إليها بالرقم 1، هي اسم شخصي يُقرأ 'دوبسيغا'، والثانية اسم آخر 'إيليلات"، أما الأخيرة فهي عبارة "خادمك / أو خادمه". فيكون مضمون هذا الختم هو: دوبسيغا، إيليلات، خادمك. الشخصان الواقفان أحدهما يتقدم الآخر ممسكا بيده وكأنه يقدمه للشخص الجالس الذي بدوره يظهر وكأنه يقدم لهما محراثا.


اضغط على الصورة لتكبيرها

نعود الآن للجزء الذي يصور حسب زكرياء سيتشين المجموعة الشمسية. كيف نعرف أن سيتشين مخطئ تمام الخطأ في فرضيته هذه؟ الجواب بسيط جدا، وحتى أننا لسنا من يقدم هذا الجواب، بل السومريون أنفسهم. فالسومريون لم يكونوا يرمزون للشمس بهذا الرمز، وهذا الأمر ثابت في مئات الألواح الأخرى إلى جانب أمثلة كثيرة من منطقة بلاد الرافدين. كانت الشعوب آنذاك تعتبر الأجسام السماوية من كواكب ونجوم إشارة إلى الآلهة، وكانت تطلق عليها أسماء مختلفة حسب نوع الإله الذي تمثله. بالنسبة لإله الشمس فقد كانوا يطلقون عليه اسم "شاماش" بالأكادية أو "أوتو" بالسومرية. كما نشاهد في هذه الأمثلة القليلة، فإن رمز الشمس مختلف عن الرمز الذي يقول سيتشين عنه شمسا، فرمزها يختلف بكونه يضم خطوطا منعرجة أو متموجة بين كل رأسين أو ذراعين، وأحيانا مجرد دائرة بها أربع خطوط متموجة أو قرص مجنح. وكما ذكرنا قبل قليل، فهذا الرمز ثابت في مئات الألواح والنقوش الأخرى، ولم يستبدله السومريون أبدا بأي رمز آخر. وهكذا فإن هذا الختم لا يصور المجموعة الشمسية كما يعتقد سيتشين. ولو كان الغرض من ذلك تصوير المجموعة الشمسية لاستخدم السومريون رمز الشمس الرسمي. فإلى ماذا يشير هذا الرمز إذن إن لم يكن شمسا؟


اضغط على الصورة لتكبيرها


إنه يشير ببساطة إلى نجمة أو كوكب يمثل إلها من الآلهة. وهذا أيضا ثابت في ألواح ونقوش كثيرة. فالدائرة المحاطة بأذرع فقط، والتي تختلف في عددها، هي نجوم أو كواكب، فهناك منها ذات ستة أذرع، وهناك ذات سبعة وأيضا ذات ثمانية. وذلك حسب النجمة أو الكوكب والإله الذي ترمز إليه. كما نرى في الصورة العلوية على اليسار، فإن النجمة ذات الثمانية أذرع هي رمز لكوكب Venus أو الزهرة، وفي نفس الوقت الإلهة Ishtar عشتار أو عشتروت. في الصورة بجانبها، فوق الرجل العقرب وبجانب قرص الشمس المجنح نجد نجمة ذات سبعة أذرع، وفي الأسفل نجمة ذات ستة أذرع. إلى جانب النجمة الأساسية نجد مجموعة من الأجسام الصغيرة التي هي في الغالب سبع نجمات تشير إلى كوكبة الثريا، وهذه الكوكبة شائعة في الكثير من الألواح السومرية كالتي ننظر إليها الآن. تضم كوكبة الثريا العديد من النجوم، لكن الاقتصار على سبع منها فقط هو بسبب كونها النجوم الأكثر سطوعا بينها.

 
اضغط على الصورة لتكبيرها

هكذا إذن، نختم الموضوع بقولنا مجددا إلى الختم الذي أمامنا لا يشير إلى المجموعة الشمسية لأن رمز الشمس عند السومريين مختلف عن أي رمز آخر. وبالتالي فإن كلام سيتشين بهذا الخصوص كلام غير صحيح. 

في الحلقة المقبلة إن شاء الله، سنتابع الحديث عن الموضوع، وسنتطرق إلى موضوع كوكب نيبيرو وعلم الفلك عند السومريين. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.  



نيبيرو 


اضغط على الصورة لتكبيرها

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. في الحلقة الماضية تحدثنا عن النقش السومري الذي اعتمده زكريا سيتشين كدليل على وجود اثني عشر كوكبا بالمجموعة الشمسية وأوضحنا الخطأ الفادح الذي وقع فيه. فالرمز الموجود على النقش ليس رمز الشمس عند السومريين. ومن لم يشاهد الحلقة فليفعل ذلك فضلا ليفهم الفكرة. 

نتناول اليوم إن شاء الله تعالى موضوع كوكب نيبيرو أو كما يسميه سيتشين الكوكب الثاني عشر. حسنا، بداية كما جرت العادة، نطرح الفرضية قبل أن نناقشها. 

أضحى كوكب نيبيرو اليوم من أشهر الأمور عند الحديث حول موضوع الأنوناكي أو السومريين أو حتى نهاية العالم. وكل ذلك راجع إلى أفكار زكرياء سيتشين. فهو افترض أن السومريين كانوا يعلمون بوجود كوكب ثاني عشر في المجموعة الشمسية خلف كوكب بلوتو أطلقوا عليه اسم نيبيرو، يدور حول الشمس في مدار طولي وعكسي يُتمه في فترة زمنية تعادل 3600 سنة أرضية. 


اضغط على الصورة لتكبيرها

هذا الكوكب كان كوكبا تائها في الفضاء، وحين مروره بالقرب من المجموعة الشمسية عَلِق في مدار جديد بفعل جاذبية الكواكب، فانحرف عن مساره الأصلي وأصبح حبيسا في مجموعتنا الشمسية. وحسب سيتشين، كان هناك كوكب فيما مضى اسمه تيامات، تصادف أن تواجد في مدار نيبيرو، هذا الأخير ارتطم به مخلفا ما يعرف اليوم بحزام الكويكبات Asteroid Belt، أما الجزء المتبقي منه تحول مع مرور السنين إلى كوكب الأرض، وجزء أصغر منه تحول إلى القمر. الكثير من أتباع سيتشين كانوا يتوقعون مرور نيبيرو بجانب الأرض وتدميرها في سنة 2003، وبعدها توقع آخرون حدوث ذلك سنة 2012. والآن في 2018 هناك من يدعي أن نيبيرو قريب من الأرض، وهناك أيضا من يدعي أن هذا الأمر لن يحدث الآن، بل في الفترة بين سنتي 2090 و 2370 ميلادية. 

الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها في هذه الحلقة هي كالآتي: هل سيتشين على صواب في موضوع نيبيرو؟ هل عرف السومريون بوجود هذا الكوكب؟ وهل ذكرت الألواح الطينية السومرية قصة هذا الكوكب؟ 


اضغط على الصورة لتكبيرها

نيبيرو عند السومريين بالعودة إلى الألواح السومرية، وبالتحديد إلى الألواح التي تتحدث عن علم الفلك السومري وعلم الأبراج والخرائط النجمية والمنازل والتقويم، وعلى رأسها ألواح الخلق السبعة المعروفة باسم Enuma Elish، ولوحة الموسوعة الفلكية Mul.Apin بالإضافة إلى الإسطرلاب السومري، فإن الأدلة على مزاعم سيتشين منعدمة، خاصة فيما يتعلق بموضوع نيبيرو وعدد الأجسام السماوية في المجموعة الشمسية.

بينما تحدث سيتشين عن معرفة السومريين باثني عشر كوكبا بالمجموعة الشمسية باحتساب الشمس والقمر كما ذكرنا سابقا، تتحدث المصادر السومرية ونظيراتها من بلاد الرافدين عكس ذلك. فالألواح السومرية تؤكد بأن السومريين اعتمدوا سبعة كواكب فقط في المجموعة الشمسية، وكلها تحمل أسماء الآلهة العظمى حسب معتقداتهم. ادعاءات سيتشين لا تتوافق مع المعتقدات السومرية التي دونوها بأنفسهم، وهذا ما نراه في الجدول التالي. 


اضغط على الصورة لتكبيرها

هذا الجدول يقارن أسماء وعدد كواكب المجموعة الشمسية المتعارف عليها بأسمائها وعددها عند السومريين وأسماءها وعددها عند سيتشين. نرى بوضوح كيف أن سيتشين جاء بأسماء وأعداد مختلفة للكواكب ونسبها للسومريين، في حين نجد أن السومريين أنفسهم اعتمدوا أسماء وأعداد مختلفة. وهكذا يبدو جليا أن سيتشين أخذ أسماء بعض الآلهة السومرية والبابلية التي وردت قصصها في ألواح الخلق السبعة Enuma Elish ووزعها على كواكب المجموعة الشمسية بما يوافق هواه ويتماشى مع فرضيته حول نيبيرو وليس كما فعل السومريون. سوف لن ندخل في تفاصيل هذه الأسماء التي جاء بها سيتشين وسبب فعل ذلك، لأن الحديث سيطول كثيرا في أمور ثانوية وسيبعدنا عن لب الموضوع الذي هو كوكب نيبيرو. 

فما هي حقيقة نيبيرو عند السومريين؟ هل فعلا هو كوكب إضافي؟ هل هو كوكب مخلوقات الأنوناكي؟ إن كان كذلك، فلا بد وأن السومريين قد تحدثوا عنه في ألواحهم. فماذا تقول هذه الألواح حول نيبيرو؟ 


اضغط على الصورة لتكبيرها


النصوص السومرية الأساسية التي تناولت اسم نيبيرو هي التي ذكرناها قبل قليل: Enuma Elish، MUL.APIN والاسطرلاب السومري. بداية سنذكر باختصار النصوص التي جاء فيها ذكر الاسم بعيدا عن السياق الفلكي. أي بعيدا عن كونه كوكبا أو نجما. ورغم أن هذا الاستخدام ليس مهما في موضوعنا، لكن من الجيد ذكره. ورد ذكر نيبيرو في ملحمة جلجامش بمعنى نقطة العبور أو مكان العبور، وفي نفس الملحمة في سياق آخر بمعنى أجر العبور. وورد أيضا في النصوص الأكادية بمعنى نقطة أو بوابة العبور، وجسر أو طريق العبور. فيكون استخدام هذه الكلمة في سياق عام يفيد معنى "العبور" أو متعلق به ومتمحور حوله. 


 اضغط على الصورة لتكبيرها


الآن، ننظر إلى استخدام كلمة نيبيرو في السياق الفلكي. الجدول يضع ملخصا للسياقات التي وردت فيها كلمة نيبيرو. ماذا نستخلص من هذه السياقات التي ورد فيها ذكر نيبيرو؟ اعتُبر نيبيرو كوكبا، بالتحديد كوكب المشتري، لكن مرة واحدة كإشارة لكوكب عطارد. واعتُبر أيضا نجمة. وأخيرا اعتُبر نيبيرو إلاها، بالتحديد مردوخ. حسب المصادر السومرية، فإن السومريين فصلوا في أمر الأجسام السماوية التي يشاهدونها في السماء في كل شهر من أشهر السنة، وأطلقوا اسم نيبيرو على جسم سماوي يرونه كل عام في السماء، وليس مرة كل 3600 سنة. وأيضا، لم يرد سياق واحد في المصادر السومرية يتحدث عن كون نيبيرو كوكبا خلف كوكب بلوتو. أيضا، لم يرد سياق واحد في المصادر السومرية يتحدث عن علاقة نيبيرو بالأنوناكي. كذلك لم يرد سياق واحد في المصادر السومرية يتوافق مع أسماء الكواكب التي جاء بها سيتشين والآلهة التي تمثلها. 


اضغط على الصورة لتكبيرها

في الحلقة المقبلة إن شاء الله، سنتابع الحديث عن الموضوع، وسنتطرق إلى موضوع علاقة الأنوناكي بأبناء الله الذين ذكرهم الكتاب المقدس. حيث سنقارن فرضيات سيتشين بما هو مذكور في الكتاب المقدس. دمتم سالمين والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. 

           

إيلوهيم و نيفيليم



اضغط على الصورة لتكبيرها

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. مرحبا بكم مجددا في حلقة جديدة حول موضوع الأنوناكي. في الحلقتين الماضيتين، تناولنا موضوع المجموعة الشمسية في الألواح السومرية وموضوع كوكب نيبيرو، وتعرفنا على التناقضات القائمة بين مضمون ونقوش تلك الألواح وبين ما يدعيه زكرياء سيتشين وأتباعه. اليوم إن شاء الله تعالى نتطرق إلى موضوع "أبناء الله" الذي اعتمده سيتشين كدليل من الكتاب المقدس على فرضيته بخصوص مخلوقات الأنوناكي. 

سنناقش بالتحديد جزئية استدلاله بكلمتي Elohim و Nephilim من النسخة العبرية للكتاب المقدس.  

يحكي الكتاب المقدس أن مجموعة من الملائكة، أو أبناء الله كما يسميهم مجازا، والذين كلفهم الله تعالى بحراسة الأرض ومراقبتها قد فُتنوا بجمال بنات البشر، فقرروا التجسد بصورة بشر واتخاذهن زوجات لهم، فحملن لهم ووضعن جنسا هجينا سماه الكتاب المقدس Nephilim. تميز هذا الجنس الهجين باختلاف بنيته الجسدية عن باقي البشر، بحيث كان أفراده عمالقة ومفسدين في الأرض. عاقب الله تعالى الملائكة الذين قاموا بهذا العمل بأن طردهم من الملأ الأعلى وسجنهم إلى الأبد. أما العمالقة فقد أغرقهم الله بالطوفان العظيم في عهد سيدنا نوح ﷺ وصارت أرواحهم شياطينا بعد موتهم. يجب أن أنوه بداية أن حديثنا اليوم ليس عن صحة القصة من عدمها، وإن شاء الله ستكون هناك حلقة خاصة بهذا الموضوع حينما ييسر الله تعالى. 

وسبب ذكرنا لها الآن هو اقتباس سيتشين منها للاستدلال على فرضيته. يدعي سيتشين أن كلمة Nephilim تعني "الذين هبطوا من السماء" أو "الذين سقطوا من السماء" أو "الذين نزلوا من السماء في صواريخ نارية". كما أنه يدعي أن كلمة Elohim تعني الآلهة بصيغة الجمع، وأنها دليل من الكتاب المقدس على أنها لا تشير إلى الإله الواحد كما يعتقد أصحاب الديانات السماوية، بل إلى آلهة متعددة والتي هي الأنوناكي، وأن ما يؤكدها أيضا هو نظيرتها Ilanu بالأكادية. 

حسنا، دعنا نأخذ الموضوع خطوة خطوة، وحتى لا نجعله طويلا، فإننا لن نتطرق إلى تفاصيل التفاصيل، لأن النقاش سيكون لغويا نوعا ما، وبالتالي سنحاول الاختصار في مسألة القواعد اللغوية. نستهل حديثنا بكلمة Elohim. وردت كلمة Elohim 2602 مرة في النسخة العبرية من الإنجيل في سياقات مختلفة، منها ما يشير إلى الإله الواحد، ومنها ما يشير إلى الملائكة ومنها ما يشير إلى الملوك الذين حكموا الأرض، إلى غير ذلك من السياقات الأخرى. كما وردت بصيغ أخرى مثل: إل – إله – إلوه.  


 اضغط على الصورة لتكبيرها


تُعتبر كلمة El أقدم كلمة في اللغات السامية استُخدمت لتعني الله أو إله. وتدخل أيضا في تركيب أسماء الملائكة والأنبياء والأشخاص، بحيث تضاف EL إلى نهاية أو بداية الاسم. مثل جبرائيل، جبريل، ميكائيل، إسرافيل، إسرائيل، شموئيل، صموئيل، إليجاه، إلشداي، إل إليون، إلعُلام... الخ. من قواعد اللغة العبرية إضافة الجذر "im" إلى الكلمات من أجل تكوين صيغة الجمع، ولهذا قال سيتشين إن كلمة إلوهيم تعني آلهة كثيرة وليس إلها واحدا. 

صحيح أن الجذر "im"الملحق بالكلمات في نهايتها يُستخدم للدلالة على صيغة الجمع في اللغة العبرية، لكن ليس دائما. لماذا؟ لأنه يجب التفريق بين الجمع العددي، وجمع التعظيم. جمع التعظيم يعني استخدام صيغة الجمع مع المفرد كنوع من إظهار الاحترام أو التشريف، ومثاله أن تتحدث مع شخص ذو مكانة رفيعة وتقول له سيادتكم عوض سيادتك. أو كما هو الحال مع استخدام الله تعالى لكلمة "نحن" في القرآن الكريم مثل "نحن نقص عليك أحسن القصص"، "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، "نحن نرزقكم وإياهم".. إلى غير ذلك من الأمثلة. 

الذين يجهلون القواعد اللغوية لأي لغة كانت، سوف يجدون أنفسهم بكل تأكيد أمام ارتباك كبير في فهم المعنى. وهذا بالضبط ما حدث لسيتشين. فلو كان على معرفة بالعبرية كما ادعى، لما وقع في هذا الخطأ. لأن معرفة أي الجمعين هو المقصود عملية يسيرة، تعتمد فقط على صيغة الفعل المرفق، فإن كان الفعل في صيغة الجمع أيضا، كانت الكلمة جمعا عدديا، وإن كان الفعل في صيغة المفرد كانت الكلمة جمع تعظيم أو احترام. 

 وفي المثال التالي من سفر التكوين نجد أن الفعل في صيغة المفرد، مما يعني أن الجمع هنا ليس جمعا عدديا، بل جمع تعظيم. " bə•rê•šîṯ bā•rā ’ĕ•lō•hîm; ’êṯ haš•šā•ma•yim wə•’êṯ hā•’ā•reṣ." "In the beginning God created the heavens and the earth" "في البدء خلق الله السماوات والأرض" نجد هنا كلمة إلوهيم في صيغة الجمع مع الفعل في صيغة المفرد برا أو برأ شبيهتها بالعربية الفصحى: برا إلوهيم، خلق الله، God created. لو كان المقصود جمعا عدديا لكان الفعل في صيغة الجمع أيضا، ويجب أن تُقرأ حينها: برؤوا إلوهيم، خلقت الآلهة، Gods created. كما أن اللغة العربية الفصحى تضم نفس الكلمة، وهي تشير إلى الإله الواحد أيضا، كلمة "اللهم". مثلا: "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ"، "قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ"، "قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ".. وعليه، فإن ادعاء سيتشين بأن Elohim تعني الآلهة الخالقة المتعددة ولا تعني الإله الخالق الواحد أمر باطل، وهذا يدل على أنه لا يعرف قواعد اللغة العبرية، وبالتالي ربطه للكلمة بـ الأنوناكي أمر باطل أيضا. 


 اضغط على الصورة لتكبيرها


أما بخصوص كلمة نيفيليم، فكما أشرنا في البداية، سيتشين يقول إنها تعني الذين سقطوا من السماء، أو الذين هبطوا من السماء، أو الذين نزلوا من السماء في صواريخ نارية. وهو يعتمد عليها لأنها تخدم فكرته حول نزول الأنوناكي من الفضاء في مركبات فضائية. والسؤال المطروح هو: هل فعلا تعني كلمة نيفيليم، الذين هبطوا من السماء؟ يجب أن نعود أولا للسياق أين وردت الكلمة، وهذا بالأساس في سفر التكوين. حيث نجدها في القصة التي ذكرناها آنفا بخصوص الملائكة الذين اتخذوا من بنات آدم زوجات لهم قبل أن يطردهم الله تعالى من الملأ الأعلى لمخالفة أمره. نقرأ أن النسوة اللائي أقمن علاقة مع أبناء الله، أي الملائكة، قد ولدن الـ نيفيليم أو الجبابرة. 

الكلمة جاءت في صيغة الجمع وهي تنطق على وجهين اثنين، نفليم ونفيليم بالياء. وهذا الفرق في الكتابة يرجع إلى كون الكتابة العبرية كانت تُدون من غير حركات، تماما مثل العربية في البداية حيث كانت تكتب من دون تنقيط ومن دون حركات. وحينما أضيفت الحركات لاحقا ظهرت الكلمة بهاذين الوجهين. الجذر الأصلي أو الأساسي للكلمة هو ثلاث حروف نون في لاميد. نفل. وهو فعل. هذا الفعل هكذا بدون حركات يمكن أن يشير لعدة معاني من بينها فعل "نَفَلْ" يسقط، وصيغة الاسم المشتق منه تعني الذين أُسقطوا، أي في صيغة المفعول الذي وقع عليه الفعل، وليس في صيغة الفاعل الذي يقوم بالفعل.  

بعبارة أخرى، ادعاء سيتين "الذين هبطوا من السماء" يعني أنهم هم من قاموا بهذا الفعل، أي هبطوا من تلقاء أنفسهم، في حين أن قول "الذين أُهبطوا من السماء" يعني أنهم هم من وقع عليهم الفعل من فاعل آخر، أي طُردوا وأُنزلوا. ولو كان المقصود الذين سقطوا من تلقاء أنفسهم كما يدعي سيتشين، فإن الاسم العبري ليس نفيليم، بل نيفوليم. هذا بالإضافة إلى أن الإنجيل لم يذكر أبدا أن الذين سقطوا أو أسقطوا هم النيفيليم، بل أبناء الله، أي الملائكة العاصون، أما النيفيليم فهم ذرية هؤلاء الملائكة من بنات البشر. 

هناك أيضا اسم آخر يمكن اشتقاقه من الفعل نفل. وهو في صيغة الفاعل، ويعني "المغيرون"، أي الذين ينزلون أو يغيرون على أعدائهم. وهذا أيضا لا يخدم ادعاء سيتشين، لأن صيغة الجمع منه هي: نوفليم وليس نفيليم. وهكذا، فإن التحليل اللغوي لجذر الكلمة يجعل ربطها بفعل نَفَلْ أي يسقط غير ممكن، ولهذا استقر النحويون العبريون على احتمالين اثنين، كلاهما من اللغة الأرامية. ذلك أن الإنجيل العبري جمعه اليهود خلال فترة الأسر البابلي أو النفي البابلي، وحينها كان اليهود يتحدثون الأرامية، ولهذا نجد كلمات أرامية كثيرة في الإنجيل العبري. هذه الكلمة الأرامية نفل تعني حسب الاحتمال الأول للمعنى: الأشرار أو الطغاة أو المفسدون. أما الاحتمال الثاني للمعنى فهو: العمالقة. وهو الاحتمال الأقوى الذي جعل النحويين يرتكزون عليه، لأنه يتوافق تماما مع تصريف الكلمة ويخدم السياق بشكل صحيح. فالكلمة المفردة هي نفيلا وتعني بالأرامية عملاق، وجمعها نفلين: عمالقة. ذلك أن تكوين الجمع في الأرامية يتم بإضافة الجذر “in” إلى نهاية الكلمة المفردة، وهكذا، حينما نُقلت الكلمة إلى العبرية أُضيف لها الجذر العبري “im” الذي يفيد صيغة الجمع. ولهذا، اتفقت بالإجماع جميع النصوص اليهودية القديمة على كلمة العمالقة كمعنى لكلمة نيفيليم. 

بالعربية تترجم أيضا إلى كلمة الطغاة، وبالإنجليزية Giants. ويوصفون أيضا بأنهم جبابرة بالعربية، Mighty men بالإنجليزية، و Gibborim بالعبرية. هناك أيضا أدلة أخرى من الإنجيل غير سفر التكوين، كسفر يشوع وسفر التثنية وسفر العدد، حيث نقرأ في هذا الأخير كمثال أن الذين أرسلهم موسى ﷺ لأرض كنعان ليأتوا بأخبار الأقوام التي يسكنوها رأوا هناك قوم بني عناق، الذين هم من سلالة النيفيليم أو الجبابرة، العمالقة. 


اضغط على الصورة لتكبيرها

كخلاصة لهذا الكلام، ادعاءات سيتشين بخصوص النيفيليم والإلوهيم لا تتوافق مع ما هو مذكور بالإنجيل ولا تتوافق مع قواعد اللغة العبرية. فالإيلوهيم عند سيتشين هي الآلهة الأنوناكي خالقة البشر، والنيفيليم هي أبناء تلك الآلهة التي نزلت إلى الأرض وتزاوجت مع النساء البشريات، بينما الكلمتان في الإنجيل مختلفان تماما. فـ إيلوهيم تشير إلى الإله الواحد خالق الكون والبشر، وتكتب في صيغة جمع التعظيم وليس الجمع العددي. أما أبناء الله فليسوا هم النيفيليم، بل هم الملائكة، والنيفيليم هم ذرية هؤلاء الملائكة العاصين الذين تزوجوا ببنات آدم. 

هكذا نختم هذا الجزء بخصوص ادعاءات وتصورات سيتشين حول الحضارة السومرية، وسيكون لنا عودة إن شاء الله تعالى مستقبلا بتوفيقه وتيسيره، مع حلقات جديدة حول قصص الخلق السومرية وملاحمها وعلاقاتها بالديانات السماوية وغيرها من المواضيع المرتبطة. 

تقبلوا تحياتي وتقديري، ووفقنا الله تعالى جميعا للحق. دمتم في رعايته والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


 
اضغط على الصور لتكبيرها


الجذور الماسونية لحركة الأرض المسطحة


اضغط على الصورة لتكبيرها





ظهرت خلال القرن السابع عشر حركة دينية من طائفة البروتستانت حملت اسم "MUGGLETONIANISM"، وذلك نسبة إلى مؤسسها LUDOWICKE MUGGLETON. الحركة نشأت مباشرة بعد صدور أولى الطبعات للكتاب المقدس وهي "نسخة الملك جيمس"، والتي ما زالت إلى اليوم تُعادى من طرف بعض الطوائف والأفراد ذويي الديانة المسيحية، حيث يطلقون عليها اسم "نسخة الملك الماسونية" التي سهر على إنجازها وإعدادها طائفة من اليهود الأغيار الماسونيين. قضى LUDOWICKE حياته المهنية كخياط بمدينة لندن، وقد كان ماهرا ومتقنا لعمله، ورغم أن معرفته بالكتابة والقراءة والحساب كانت سطحية إلا أنه في نفس الوقت رأى نفسه مفكرا دينيا ومبشرا بتعاليم جديدة رفضها الاتجاه الديني الرسمي. وأدت آراءه واعتقاداته إلى سجنه مرتين. سنة 1651 بدأ LUDOWICKE MUGGLETON يشعر بتلقي الوحي في مناسبات عدة، وهو الأمر الذي شعر به قريبه JOHN REEVE أيضا. فقد آمنا أن صوت الإله كان يناديهما للوقوف في وجه الاعتقادات الدينية والعلمية السائدة وتصحيح العقيدة، وذلك تحقيقا للآية 3 من الإصحاح 11 من سفر الرؤيا: 'وسأعطي لشاهدي فيتنبآن ألفا ومئتين وستين يوما لابسين مسوحا' وهي ثياب من الخيش. وكأنهما موسى وهارون الجديدين حسب اعتقادهما. من أهم ما دعت له الحركة هو الإيمان بأن السماء ترتفع عن الأرض مقدار ستة أميال، لتكون بذلك بداية موجة أفكار أخرى منحرفة ترتبط بشكل الأرض والسماء. اقتباس من كلام Robert Schadewald مع جملة تعريفية به أسفل الاقتباس. بعد مرور قرنين من الزمن، شرع المخترع والكاتب الإنجليزي ذو التوجهات الصهيونية Samuel Rowbotham، وهو مؤسس إحدى المنتديات الأوينية الشيوعية في شرق إنجلترا، في جمع أفكار جديدة وفرضيات حول شكل الأرض. اضطر Samuel Rowbotham إلى الهروب من المنتدى الذي أسسه بعد اتهامات له بالتحرش الجنسي ببعض النساء المنتميات للمنتدى. وغيّر اسمه إلى Parallax، حتى تخفى به وغادر إلى منطقة بدفورد. هناك اشتغل بتقديم العلاج لأهالي القرية وقراءة الطالع، وفي نفس الوقت تفرغ لجمع المزيد من الأفكار والفرضيات بخصوص الأرض. هناك أجرى تجربة انبساط الأرض في نهر بدفورد الذي يمتد على طول ستة أميال ليستنتج أن الأرض مسطحة. وبالرغم من أن التجارب اللاحقة التي أُجريت دعمت فكرة الكروية، إلا أن Rowbotham تمسك بنتيجة التجربة الأولى. بدأ بعدها بالترويج لفكرته عن طريق إلقاء المحاضرات، إلا أنه تهرب من الإجابة على تساؤل حول سبب اختفاء أجسام السفن قبل اختفاء الصواري والأشرعة. واستمر في محاضراته وطوّر أساليبا بارعة لمراوغة الأسئلة والمفاهيم التي لا يجد جوابا لها. واضطر Parallax إلى قبول التحدي من بعض القائلين بكروية الأرض، واجتمعوا ذات يوم على ضفاف شاطئ بلايموث. كان التحدي أن المنارة التي تبعد حوالي 14 ميلا لن تظهر كاملة عند استخدام التليسكوب، في حين أن Rowbotham كان يدعي أنها ستظهر كاملة بسبب تسطيح الأرض. قبل التجربة اقترح المُتَحَدُّون أن ما سيظهر هو فقط برج المنارة من هذه المسافة، وعند التجربة لم يظهر سوى نصف البرج. فاستغل Rowbotham بألاعيبه الوضع واتهمهم بأنهم ليسوا دقيقين في معلوماتهم وأن حساباتهم خاطئة، وأن الأرض مسطحة. استمر بعد ذلك Parallax في جمع أفكاره وفرضياته ونظرياته ووضعها في كتيب من 16 صفحة أطلق عليه اسم " Zetetic Astronomy: Earth Not a Globe"، ثم بعد سنوات فصّله في كتاب من 430 صفحة، ليصبح بعد ذلك عراب فكرة سطحية الأرض ويصبح كتابه هذا الكتاب المقدس عند أتباع هذه الفرضية. ويدعو الكتاب إلى الإيمان بأن الأرض ليست كروية، وأنها سطح مُغلق، وأن مركزها القطب الشمالي، وأنها مطوّقة بجدار من الجليد، وأن الشمس والقمر والكواكب والنجوم تبعد فقط بمئات الأميال عن سطح الأرض. توفي Samuel Rowbotham سنة 1884، وكشفت شهادة الوفاة أنه يحمل لقب السير صامويل روبوثام، لقب كان يعطى لمن ينتمي لأخوة الماسونية، وأكدت ذلك الرموز الماسونية التي زُيّن بها قبره. بعد هذه الفترة، أخذت سيدة تنتمي للعائلة الملكية الأرستقراطية المشعل من Samuel Rowbotham لتنشر نفس الفكر، وهي السيدة Elizabeth Anne Mould Blount زوجة المكتشف المشهور السير Walter De Sodington Blount والعضوة في كنيسة إنجلترا، مستفيدة بذلك ارتباطه الوثيق بالعرش الملكي، حيث كانت تجمعه بالعائلة الملكية رابطة الدم الأزرق، دم النبلاء. استفادت السيدة Blount من محيط وعلاقات زوجها الماسوني البارون ذو الرتبة التاسعة، لتؤسس أول جمعية للمؤمنين بتسطيح الأرض حملت اسم Catholic Zeteticus Societas، وأيضا Universal Zetetic Society. وكانت تُعرف هي شخصيا باسم "Zeteo". اهتمت الجمعية بدراسة الكون انطلاقا من النصوص المقدسة وباستخدام أساسيات المنهج الفلكي المذكور أي Zetetic Astronomy. كما اشتهرت أيضا باسم السيدة البناءة الحرة (أي السيدة الماسونية) كما نشرت مجلة دورية آنذاك تدعى The Oracle في مقال حول العلاقة بينها وبين السير روبوثام. وأسست السيدة Blount عدة مؤسسات خيرية أخرى لدعم بعض مشاريع الأخوة الماسونية. بعد أن أصدرت إنجلترا قانونا يجبر المنتمين إلى الأخوة الماسونية بتسجيل أنفسهم بشكل رسمي، انتشرت حمى الماسونية لتجتاح الكنائس أيضا لينجم عن ذلك تأسيس عدة مجموعات دينية مثل الـ Mormons و Jehova’s Witness رآها الباحثون في شؤون الماسونية خطة لنشر أجنداتهم عبر منصات مختلف. من هذا المنطلق، وفي وقت كتابة روبوثام لـ Zetetic Astronomy، رحل الصهيوني وعضو كنيسة إنجلترا الموقّر John Alexander Dowie، إلى الولايات المتحدة الأمريكية لينشر الفكر ذاته. أصبح ماسونيا سنة 1875 وأسس مدينة Zion في إلينوي، ثم كنيسة Christian Catholic Apostolic Church. وحرص على تلقين عقيدة الأرض المسطحة. بعد تدهور صحته وكثرة فضائحه المالية حيث راوغ القوانين وجمع ثروة بملايين الدولارات تنحى Alexander Dowie بأمر المحكمة، ليأخذ مكانه Wilbur Glenn Voliva الذي ولد لعائلة ماسونية، حيث كان والده ماسونيا من الدرجة 32. عرض Wilbur Glenn Voliva مبلغ 5000$ لمن يتحداه ويفوز عليه في تفنيد عقيدة سطحية الأرض. كان من بين المبشرين الأوائل في العالم الذين امتلكوا محطة إذاعية خاصة بهم. استغل Voliva منصته هذه لمهاجمة كروية الأرض والعلوم الفلكية وأفكار نظرية التطور. تحدث Voliva قائلا: إن فكرة ابتعاد الشمس عن الأرض مسافة 91 مليون ميلا فكرة سخيفة. قطر الشمس هو 32 ميلا، وهي ترتفع في السماء بمقدار لا يتجاوز 3000 ميل عن السطح. لقد خلق الله الشمس لتنير الأرض، وبالتالي توجب أن يضعها على مسافة قريبة تتيح لها القيام بهذه المهمة. حمل شعار مدينة Zion رمزي الصليب والتاج الماسونيين. وتقلد رجال شرطة المدينة اسم الحرس البريتوري، وهو نفس الإسم الذي تقلده النازيون في الحرب العالمية الثانية. وتمت كتابة قوانين المدينة على لوحات الإعلانات بمختلف الأماكن التي كانت أهمها تدنيس المؤمنين بكروية الأرض ووصفهم بأبشع الأصناف. لم تعد مدينة Zion حينها مكانا صالحا للعيش لمن لا يؤمن بسطحية الأرض. وعلى سنة سلفه، جمع Voliva ثروة بملايين الدولارات من مدينة Zion، تم على إثرها تجريده من منصبه. فدخلت فكرة تسطيح الأرض في مرحلة سبات مؤقتة إلى حين إعادة إحياءها من جديد على يد Samuel Shenton، المنتمي لأخوة Catholic Zeteticus Societas التي أسستها السيدة Blount والجمعيات المنبثقة عنها the Royal Astronomical Society و the Royal Geographic Society. وأعاد بدوره تأسيس مجتمع Universal Zetetic Society مغيّرا الاسم إلى The International Flat Earth Research Society، واصطُلح عليه اختصارا Flat Earth Society. بعد أن قضى سنوات عديدة في التبشير بأفكاره ونشرها للعالم، شعر Shenton بأن صحته لم تعد تسمح له المواصلة في منصبه، فسلم المشعل إلى الشخص الذي رآه الأنسب، وهو Charles Kenneth Johnson الذي أعاد إحياء الفكرة في الولايات المتحدة الأمريكية مؤمنا بفكرة أن Wilbur Glenn Voliva كان الشخص الذي علّمه كيف يثبت أن الأرض مسطحة. بدأ Johnson مشواره بالظهور في برامج تلفزيونية ومحطات إذاعية مختلفة بأميركا إلى جانب إلقاء المحاضرات، حيث روّج لفكرته مستفيدا من القاعدة الجماهيرية التي وفرتها تلك المنصات. كان يلقي Johnson محاضراته لفائدة نواد وتجمعات ماسونية مثل Elks و Kiwani's و the Rotary Club والتي لم يكن ممكنا لغير الماسونيين المحاضرة فيها. إلى جانب زوجته، استمر Johnson في التبشير بأفكاره عن طريق توزيع منشورات ومطويات مختلفة، ضمت صورا لخرائط الأرض ومعلومات عن الجمعية التي يمثلونها. في إحدى المطويات التي نشرتها الجمعية نقرأ معلومات تقول: إن الجمعية العالمية لبحوث الأرض المسطحة The International Flat Earth Research Society هو أقدم جمعية على وجه الأرض، تعود إلى ما يقارب 6000 سنة على الأقل. بدأت منذ بداية الخلق. نحن كنا وما زلنا الأقلية، النخبة، المختارون.. هاجم Johnson المنهج العلمي الرسمي في البلاد وادعى أن الصعود إلى القمر كان خدعة، وأن رحلات أبولو إلى الفضاء كذلك. واستمر في مسيرته إلى حين وفاته سنة 2001. سنة 2004 أعاد شخص اسمه Daniel Shenton إحياء فكرة الأرض المسطحة مستفيدا من شبكة الإنترنيت. حيث بدأ يناقش الموضوع في المنتديات انطلاقا من التعاليم التي وفرها مجتمع الأرض المسطحة. سنة 2009 تم إطلاق الموقع الرسمي للمجتمع على شبكة الإنترنيت، ثم سنة 2013 انشق قسم من أعضاء الموقع وأسسوا مجموعة أخرى لها منتدى وموقع مشابه. سنة 2015 ظهر شخص يُدعى Eric Dubay على شبكة الإنترنت يعلن نفسه خبيرا بنظريات المؤامرة. أسس موقعا ومنتدى خاصا ادعى فيه أنه رئيس The International Flat Earth Research Society. المعلومات الشخصية التي وصف بها Dubay عمله على شبكة الإنترنيت هي: خبير بالمجتمعات السرية، خبير بالسحر والتنجيم، خبير بقراءة الطالع والكف، خبير بتفسير الأحلام، وخبير بعلم الأرقام. ويوفر جلسات بهذا الخصوص بقيمة دولار و69 سنتا للدقيقة عبر الشبكة. انضم لشبكة المروجين في موقع Dubay أعضاء استخدموا مختلف مواقع الشبكة لتسويق أفكارهم مثل Jeranism وJhenningkellogia وStars are Souls وImmortalsouls وغيرهم الكثير. ليساهموا بعد ذلك في نشر الأفكار على نطاق واسع، ليتأثر بهم بعض العرب والمسلمين أيضا، فقام بعضهم بترجمة الأفكار وإعادة نشرها إلى العالم العربي معتقدين أنها الحقيقة. وفي نفس الوقت أصبحوا يرفضون الدلائل العلمية القاطعة على كروية الأرض ويؤمنون إيمانا أعمى بأن كروية الأرض مؤامرة كونية.